أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

373

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والترك نقيضان . و « الْكَلْبِ » يجمع في القلة على « أكلب » ، وفي الكثرة على « كلاب » وشذوا فجمعوا « أكلبا » على « أكالب » ، و « كلابا » على « كلابات » . وأما « كليب » فاسم جمع ، ك « فريق » ، لا جمع . قال طرفة : 2357 - تعفّق بالأرطى لها وأرادها * رجال ، فبذّت نبلهم وكليب « 1 » وتقدمت هذه المادة في المائدة . ويقال : « لهث يلهث » بفتح العين في الماضي والمضارع ، « لهثا ، ولهثا » بفتح اللام وضمها ، وهو خروج لسانه في حال راحته وإعيائه . وأما غيره من الحيوان فلا يلهث إلا إذا أعيا ، أو عطش . والذي يظهر أن هذه الجملة الشرطية لا محل لها من الإعراب ، لأنها مفسرة للمثل المذكور ، وهذا معنى واضح ، كما قالوا في قوله تعالى : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ، فإن الجملة من قوله : « خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ » مفسرة لقوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ . قوله : ذلِكَ مَثَلُ يجوز أن يشار ب « ذلِكَ » إلى صفة « الْكَلْبِ » ، ويجوز أن يشار به إلى المنسلخ من الآيات ، أو إلى الكلب ، وأداة التشبيه محذوفة من « ذلِكَ » ، أي : صفة المنسلخ ، أو صفة الكلب مثل الذين كذّبوا . ويجوز أن يكون المحذوف من « مَثَلُ الْقَوْمِ » ، أي : ذلك الوصف ، وهو وصف المنسلخ ، أو وصف الكلب ، كمثل القوم . قوله : ساءَ مَثَلًا . « ساءَ » بمعنى « بئس » وفاعلها مضمر فيها ، و « مَثَلًا » تمييز مفسّر له . وقد تقدم غير مرة أن فاعل هذا الباب إذا كان ضميرا يفسر بما بعده ، ويستغني عن تثنيته وجمعه وتأنيثه بتثنية التمييز وجمعه وتأنيثه عند البصريين ، وتقدم أن « ساءَ » أصلها التعدي لمفعول . والمخصوص بالذم لا يكون إلا من جنس التمييز ، والتمييز مفسّر فهو هو ، فلزم أن يصدق الفاعل والتمييز والمخصوص على شيء واحد . إذا عرف هذا لقوله : « الْقَوْمُ » غير صادق على التمييز والفاعل ، فلا جرم أنه لا بدّ من تقدير محذوف ، إمّا من التمييز ، وإمّا من المخصوص ، فالأول يقدر : ساء أصحاب مثل ، أو أهل مثل القوم . والثاني يقدر : ساء مثلا مثل القوم ، ثم حذف المضاف في التقديرين ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، وهذه الجملة تأكيد للتي قبلها ، وقرأ الحسن والأعمش وعيسى بن عمر « ساء مثل القوم » برفع « مثل » مضافا للقوم . والجحدري روى عنه كذلك ، وروى عنه كسر الميم وسكون الثاء ، ورفع اللام وجر القوم وهذه القراءة المنسوبة لهؤلاء الجماعة تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون « ساءَ » للتعجب ، مبنية تقديرا على فعل بضم العين ، كقولهم : « قضو الرجل » ، و « مثل القوم » فاعل بها ، والتقدير : ما أسوأ مثل القوم ، والموصول على هذا في محل جر ، نعتا لقوم . والثاني : أنها بمعنى « بئس » ، و « مثل القوم » فاعل ، والموصول على هذا في محل رفع ، لأنه المخصوص بالذم ، وعلى هذا فلا بدّ من حذف مضاف ، ليتصادق الفاعل والمخصوص على شيء واحد ، والتقدير : ساء مثل القوم مثل الذين . وقدّر الشيخ تمييزا في هذه القراءة ، وفيه نظر ، إذ لا يحتاج إلى تمييز ، إذ كان الفاعل ظاهرا ، حتى جعلوا الجمع بينهما ضرورة ، كقوله :

--> ( 1 ) تقدم .